محمد بن جعفر الكتاني

187

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكان قطب عصره ، وأعجوبة دهره ، بلغ من مقامات اليقين مبلغا لا يبلغه إلا الأفراد من العارفين ، وكان لا يأكل شيئا مما يأكله الناس ، إنما يأكل الحشيش الذي لا يعتاد أكله ، وأمره كله عجب ، وكراماته منقولة بالتواتر ، حدث عن البحر ولا حرج . وقد نقل عنه أنه كان يقول : « ما لهؤلاء المنكرين ينكرون كرامات الأولياء ؟ ! ، واللّه لو كنت قريبا من البحر لأريتهم المشي على الماء عيانا » ، وكان [ 172 ] الشيخ أبو مدين - رضي اللّه عنه - يقول : « طالعت أخبار الصالحين ، من زمان أويس القرني إلى زماننا هذا ؛ فما رأيت أعجب من أخبار أبي يعزى » . وفي : " الطبقات المناوية " : « أبو يعزى المغربي ؛ كان من أكابر أولياء المغرب ، جد واجتهد ، ولزم البراري والقفار خمس عشرة سنة ، وكانت الأسد والوحوش تأوي إليه ، والطيور تعكف عليه ، وإذا خاطبها ؛ عقلت كلامه وعملت به ، وكان إذا قال للأسد : لا تسكنوا هنا . أخذوا أشبالهم وخرجوا جميعا . ويقول للوحش : اذهب إلى محل كذا فإن فيه قوتك ؛ فيذهب فيجده » . ثم إنه أمر بالرجوع إلى الناس ؛ فدخل المدن ؛ فانتفع به خلق كثير ، وانتهت إليه رياسة تربية المريدين . . . قال ابن عربي : « وكان إذا زنى رجل أو سرق أو شتم أو فعل محرما ثم دخل عليه ؛ يرى ذلك العضو الذي منه العمل مخططا تخطيطا أسود . . . قال ابن عربي : وكان لا يراه أحد إلا عمي من نور وجهه ، وممن عمي عند رؤيته : الشيخ أبو مدين ؛ فكان لا يبصر أحدا إلا إن مسح وجهه بثوب أبي يعزى ، فيرتد بصيرا . ثم يعمى ، وكان أهل المغرب يستسقون به ؛ فيسقون » . ومن كلامه : « كل حقيقة لا تمحو آثار العبد ورسومه ؛ فليست بحقيقة » . وقال : « من طلب الحق من جهة الفضل ؛ وصل إليه ؛ وإلا لم يصل » ، وقال : « انفع الكلام : ما كان إشارة عن مشاهدة ، أو إخبارا عن شهود » . وفي " المعزى " أن الشيخ سيدي عبد القادر الجيلاني - رضي اللّه عنه - كان إذا فاضت عليه أنوار الجمال يقول : « أنا كذا أنا كذا » . من أنواع الشطحات ، فربما قيل له : « هل تعلم لك في الوجود نظيرا ؟ ! » ، أو كلاما هذا معناه . فيقول : « عبد حبشي بالمغرب ؛ اسمه : آل النور ، وكنيته : أبو يعزى ، له مقام عظيم قل من يبلغه من الأوائل والأواخر » . ه . وفيها - أيضا - نقلا عن أبي العباس ابن الخطيب قال : « كان أبو عمران موسى بن محمد بن معطي العبدوسي كثير التعظيم للشيخ أبي يعزى ، وكان يصرح فيه بالثناء ؛ حتى سمعته قال : ما في الأولياء مثله » .